ابن عربي
151
مجموعه رسائل ابن عربي
صعد الكلام الطيب على براق العمل الصالح « 1 » بالعقل الصحيح الراجح ، لمعرفة المكلّف والمكلّف « 2 » بطريق الكشف الصريح الواضح ، باستعمال موعظة الفصيح « 3 » الناصح ، فبين الروح « 4 » الأمين عن الأمر على القلب ليكشف له عن سر ما طلبه في عالم التمثل والغيب ، وبارتفاع الحجب واعدام ظلم الريب ، وقال : لتعلم أيها القلب الكريم أن الحقيقة الإلهية تعطي أمرين ، ولهذا صحت الصورة للإنسان وحده من دون غيره ، فأوجد نشأتين باليدين ، وأباح له نجدين « 5 » وأنزل عليه تكليفتين حين قسم العالم قسمين في الفيضتين فأخفاهما في الدنيا عن التمييز بالإضافة إلى شخص ما في العين ، وأبرازهما في الآخرة لذي عينين ، لما كانت الآخرة ذات دارين ، ولما كان الوجود على هذا الحال لذلك تعالى - عند العلماء باللّه - الزوج على الفرد ، كما تعالى عند العارفين بالرب الوتر على الشفع ، لأنهم أهل الجمع . ولظهوره الصورة المثلية مع الحقيقة الإلهية ، كانت مراتب الوجود أربعة فصار التربيع أصل هذه الأشكال المحكمة المرصعة . وبهذه الصورة صحت الخلافة بالتقديم ، وبسببها أمتدت إلى المحدّث بالإيجاد والتكليف رقائق القديم وإن كان هذا موضع حيرة ، فقد نيطت به الغيرة : الرب حق ، والعبد حق * يا ليت شعري : من المكلّف ؟ إن قلت عبد : فذاك ميت * أو قلت ربّ : أني يكلّف ؟
--> - أن تأخذها على ظاهرها ، ومعنى « فاحتمى بحماه » أي لا تترك حما اللّه تعالى . ( 1 ) من قوله تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ قال ابن كثير ( رحمه اللّه تعالى ) . قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ( رضي اللّه عنهما ) : « الكلم الطيب : ذكر اللّه تعالى يصعد به إلى اللّه عزّ وجلّ ، والعمل الصالح أداء الفريضة » . فمن ذكر اللّه تعالى في أداء فرائضه حمل عمله ذكر اللّه تعالى يصعد به إلى اللّه عزّ وجلّ . ومن ذكر اللّه تعالى ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله ، فكان أولى به . وكذا قال مجاهد : العمل الصالح يرفع الكلام الطيب ، وكذا قال أبو العالية ، وعكرمة ، وإبراهيم النخعي ، والضحاك ، والسدي ، والربيع بن أنس ، وشهر بن حوشب ، الخ . ( 2 ) الأولى بكسر اللام المشددة ، والثانية بفتحها ويجوز العكس ، واللّه تعالى أعلم . ( 3 ) في المطبوعة : « النصيح » . ( 4 ) في المطبوعة : « فتنزل الروح » . ( 5 ) في المطبوعة : « والحجب له بنجدين » .